أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي

147

المفاخر العلية في المآثر الشاذلية

يلقي إليك وتغفل عنه ، وإنما هو على أحد وجهين : إما أن يغيبك مثل الصرع ولكن لا يلقي إليك شيئا ، لأنه لا يجد من يأخذ عنه ، وإما أن لا يغيبك ويلقي إليك وأنت مع حسك وفي باطنك شيء من حرارة وتوهم واستماع إلى بعد وضرب من استعداد الخطاب ، فإنه إن عرف أنه تمكن منه في هذا المقام ألقى إليه خطابا فيحس بمواقع الخطاب بنفسه على حسب ما يلقى إليه ، فيخبر عما وجده فإخباره أنه وجد هذا في نفسه صحيح وكونه ينسب ذلك إلى الحق باطل وربما يقول له في مواقع خطابه عبدي أنا ربك لا تنظر إلي إلا بي ، فإن نظرت إليّ بك أشركت ، فأنا الناظر والمنظور ، وما أشبه هذا النوع من الخطاب ، ويقنع إبليس منه أن يعتقد أن ذلك من اللّه تعالى ، فيستولي عليه ، ويصير محلا له طول عمره فلو علم هذا الجاهل أن مخاطبة الحق لا تنزل إحساسا ، وليست بالوهم ، ولا بالتخيل ، ولا بالاستعداد ، ولا بالانتظار ، ولا بخاطر يخطر بالبال ، ولا ببقاء الحس لكان رجع عن جهله ، فلو علمت أن هذا من جهلك بنفسك وبغرور الشيطان بك لتبت إلى اللّه ورجعت إليه ، وعرضت هذه الأمور على شيخ مرشد يعرفك طريق الحق إلى الحق ، واللّه الموفق . فعليك بالفناء في محض حب اللّه ؛ ولا تلتفت إلى ما سواه ، فإن لم تجد شيئا فهو أسلم لك من الفتنة ، فإن وجدت معه شيئا فهو المطلوب وارتفع التلبيس فلا مدخل هناك لإبليس ، فهكذا ينبغي أن تكون ، وأن تعرف هذه الأسرار من نفسك ، ولا تكن من الجهلة بحيث أن يعرف منك غيرك ما لا تعرفه من نفسك ، ثم لتعلم أن الروحانيين ليس لهم إلقاء الأمر والنهي ، إنما لهم الإخبار ، لأنه لا فائدة لأمرهم ، فإذا استولت عليك روحانية تدبيرك فانظر فإن أمرتك ونهتك بضرب من العبارات فتلك شيطانية فاهرب منها ، وأكثر من الذكر وقراءة القرآن وآية الكرسي ، وإن لم تأمرك ولكن تخبرك بما وقع في الكون من أمر مغيب من خوارق العادات فأنت فيها على الاحتمال ، من أن تكون شيطانية أيضا وغير ذلك ، ويميز بينهما بسرعة التوقع في الإلقاء وإن لم يلق إلا شيئا ثم شيئا آخر ثم آخر فهو روح شيطان ، وإن استمر أمرا واحدا فإنك معه في حال الفتنة أيضا فلا تقبل من الإلقاء إن أردت التصحيح إلا ما حصل لك في حال الفناء الكلي من نفسك ، وحسك ، ولا يبقى من تمثيل ولا حس سوى مجرد الفهم منك بما يكون منه ، فإن سر المشاهدة للبهت ، وسر الكشف للعلم ، وسر البقاء للأدب ، وسر الفناء للتوحيد ، وسر القبض للافتقار ، وسر البسط للسؤال ، والأسرار كثيرة ، وفيما ذكرناه دواء نافع لمن استعمله .